ما كان يمارسه الملك سلمان «أميرًا للرياض» باحترافية القائد الإداري والخبير الممارس هو ما يمكن البناء عليه للتأسيس لإدارة حضرية محلية

تمثِّل «الإدارة المحلية» منهجًا يعتمد إلى حدّ كبير على اللا مركزية الإدارية كأسلوب إداري ينظِّم توزيع المهام والمسؤوليات بشكل يمكِّن من إدارة أكثر فاعلية وإنجازًا. كما تمنح الإدارة المحلية مجالات مرنة للتعامل مع القضايا التنموية وابتكار الحلول الأنجع للتعامل معها من خلال منظور عملي متكامل يعنى بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.

جاءت رؤية المملكة 2030 لتضع منهجًا تنمويًا مختلفًا. ولن تستطيع مدننا بأسلوب إدارتها الحالي وبإمكاناتها المالية وصلاحياتها المتاحة نقل وتحقيق ما يخصها من تلك الرؤية وترجمتها إلى حيز الواقع كما هو مأمول. كما لن تتمكن مدننا من الاستمرار في تقديم حتى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية المطلوبة منها، فضلاً عن استطاعتها تطوير هذه الخدمات وزيادتها كيفًا وكمًا أو حتى مواكبة التطلُّعات المطردة للسكان إلى خدمات بلدية جديدة وبأسلوب ومستوى مختلف.

يعدُّ التحدي الحقيقي للمدن السعودية في قدرتها على الانتقال من الاعتماد الكلي ماليًا على الدولة إلى الاعتماد الذاتي بشكل كبير على إيراداتها واستثماراتها في دعم ميزانيتها بعيدًا عن وزارة المالية وكذلك عن جيب المواطن في آن واحد. ولا يمكن لمدننا، وخصوصًا الكبيرة منها، مواجهة هذا التحدي إلا بتبنيِّها برنامجًا طموحًا للإدارة المحلية ليس فقط لتحقيق الاستقلالية المالية والإدارية للمدن، بل أيضًا لرفع مستوى التنفيذ والإدارة والتشغيل والصيانة لمشروعاتها وخدماتها. ولتمكينها من التجاوب السريع مع متطلبات السكان واحتياجاتهم ورفع مستوى رضاهم ومشاركتهم الإيجابية في قرارهم المحلي.

يحتاج العمل البلدي وإدارة المدن إلى التفكير «خارج الصندوق» وبعيدًا عن تأثيرات ومظلَّة العمل البلدي التقليدي الحالية. وقد أصبحت إعادة هيكلة التركيبة المؤسسية للبلديات ضرورة وتحديًا معًا. ولا بدَّ من خلال الإدارة المحلية تبنِّي رؤية لمستقبل المدن وتوازن التنمية فيها بحيث يتم دعم المدن الكبيرة نحو التوجه للاستقلالية المالية والإدارية والاعتماد على إيراداتها الذاتية وتخفيف العبء على الإدارة المركزية. وسيمكِّن ذلك من زيادة الدعم المالي والإداري للمدن الصغيرة، وانتشالها من الانحسار عن خريطة التنمية السعودية. فالمدن الكبيرة يجب ألا تعتمد في مواردها على الحكومة المركزية، خصوصًا أنه بالإمكان محاكاة تجارب كثيرة عالمية في زيادة إيرادات المدن بما يضمن عدم المساس بالمواطن ولكن في نفس الوقت عدم الإثقال على الدولة.

طالبَت أمانة منطقة الرياض خلال عملي أمينًا، بتوجيه كامل ميزانية البلديات إلى المدن المتوسطة والصغيرة وترك المدن الكبيرة لإيراداتها الذاتية بعد وضع الضوابط والحوافز لتطوير برنامج متوازن لرفع إيراداتها، ورفع مستوى خدماتها، وخصوصًا أن الفرصة متاحة جدًا للمدن الكبيرة للاعتماد ماليًا على نفسها وتخفيف العبء المالي عن كاهل الحكومة. فالمدن الكبيرة قادرة بمشيئة الله على مضاعفة إيراداتها عن طريق قنوات كثيرة لا تمس المواطن، من خلال التركيز على جوانب مختلفة وعلى أنشطة متعددة. وغني عن القول بأنه لا مناص للمدن والمناطق متى ما أرادت أن تستمر في تقديم الخدمات الأساسية وتطويرها من أن تتبني منهج الإدارة المحلية بقيادة أمير المنطقة كبرنامج عملي في إدارة شؤونها التنموية وكمظلة أساسية لإعادة الهيكلة المؤسسية لإداراتها ووحداتها.

لم تعد الإدارة المحلية خيارًا تتغنى به كتابات هنا أو هناك أو تطبيقات متناثرة في بعض أروقة الأجهزة الإدارية، بل أصبحت ضرورة لا بد من التوجُّه لها ورسم برنامجها الوطني وتطبيقها، ضمن إطار زمني محدَّد منظَّم التدرُّج للخروج باستمرار من مأزق التنمية في العمل البلدي وإدارة المدن.

لا بد أن يكون خلف كلِّ نجاح وازدهار لمنطقة أو مدينة أو برنامج أو حتى مشروع رجلاً قائدًا ملهمًا ذا همَّة وعزيمة وبعد نظر يحمل على عاتقه ذلك الإنجاز. والرياض كما عرفها أهلها وعرفتها هي رياض سلمان بن عبدالعزيز الذي تميز – حفظه الله-، بشخصيته الفذَّة ومنهجه المتميِّز. وقد تسلم قيادتها وإدارة الحكم فيها وهو شابٌّ يافعٌ طموح عزم على البناء والتطوير لمدينة أسكن الله حبها وعشقها في قلبه فجاهد وحارب وعارك من أجلها في ميادين التنمية والبناء والتطوير لأكثر من خمسين عامًا كان فيها ذلك الحاضر المتألِّق، والفاعل الإيجابي في جميع قضاياها، وقضايا الوطن وهو القريب الخبير في كل ما يدور في أروقة الحكم والإدارة والمستشار الأمين لولاة الأمر.

استطاعت مدن المملكة بدءًا بالرياض ولزمن طويل من مواكبة الزيادة السكانية والتمدُّد العمراني والارتفاع المذهل في الطلب على الخدمات التحتية والفوقية والقفز بتنميتها. كانت المركزية في بدايات مراحل نمو المدن السعودية لازمة وضرورية ومقبولة؛ فضعف التنمية وافتقاد الخدمات الأساسية كان يتطلَّب مواجهته بقرار وإدارة مركزية تضمن وصول وشمول التنمية لمناطق مختلفة بغض النظر عن التكلفة أو العائد المادي من ذلك مثلها في ذلك مثل مواجهة الحروب التي تتطلَّب قرارًا مركزيًا. فالمملكة بلا شك خاضت حربًا تنموية استطاعت بعد توفيق الله ثم القرار المركزي، من مدَّ التنمية إلى مناطق نائية في المملكة لم تكن لتصلها التنمية لو كان الأمر بغير ذلك. إلا أن الأمر أصبح مختلفًا مع الوصول إلى مستوى معقول من التنمية، وزيادة عدد السكان في المدن، وتغير مستوى طلبات السكان لنوعية الخدمات إضافة إلى تكرار تذبذب الإيرادات العامة المرتبطة بمداخيل البترول.

بالنسبة للرياض، فإن وجود شخصية مثل الملك سلمان بن عبد العزيز (أمير منطقة الرياض آنذاك) على رأس هرم إدارة تنميتها قائدًا وموجهًا ومتابعًا، هو من أحدث الفرق. فقد كان يمارس بشخصيته القوية الجاذبة، وبخبرته الطويلة في مجالات الإدارة والتنمية، وبعشقه للعمل والإنجاز، وبكونه أحد أركان الحكم في الدولة، يمارس بشكل كبير نوعًا فريدًا من الإدارة المحلية. كان يمارس الإدارة المحلية بجدارته المستندة على خبرته وفطرته ومواهبه الإدارية الشخصية. وقد كان في ذلك خارجًا عن النص التقليدي لإدارات المناطق رغم التزامه الدقيق بأنظمة وقوانين الدولة. كان منهجه يتمثل في إدارته للمؤسسات والوحدات الإدارية في المنطقة والمدينة وهي كثيرة تشمل أيضًا الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ومجلس المنطقة والمجالس المحلية إضافة إلى غيرها من الإدارات والوحدات الإدارية الأخرى سواء الحكومية أو الخيرية أو الخاصة. وقد تميز – حفظه الله- بعلاقته ودعمه ومتابعته ومحاسبته للمسؤولين التنفيذيين.

ما كان يمارسه الملك سلمان، أميرًا للرياض، باحترافية القائد الإداري والخبير الممارس هو ما يمكن البناء عليه للتأسيس لإدارة حضرية محلية. وعلى الرغم من أن ما كان يمارس لا يمكن اعتباره إدارة محلية مكتملة الضوابط والأركان إلا أنها ساعدت في تجاوز كثير من العقبات ودفعت بالكثير من برامج ومشروعات التنمية ولم يكن ينقصها إلا أن تطور كبرنامج إداري وطني مؤسسي كامل الأركان. ومما يذكر من سبقه مناداته – حفظه الله-، بضرورة توفير فرص التعليم والتوظيف في المدن المتوسطة والصغيرة كأداة للحد من الهجرة إلى المدن الكبيرة، وشجع وساند تأسيس فروع الجامعات وبعدها المدن الجامعية والصناعية في المحافظات. وكان ينادي أيضًا بإعادة هيكلة المجالس الثلاثة المناطق والبلدية والمحلية وبما يضمن تطوير العلاقة بينهم ويمنع الازدوجية في أعمالهم ويضمن شمولية الإشراف على جميع خدمات المنطقة. كما كان – حفظه الله- يتطلَّع إلى إعادة تقسيم منطقة الرياض لثلاث مناطق، بل كان يذهب إلى أكثر من ذلك، في أن تتحول مدينة الرياض ببلدياتها الفرعية الخمسة عشرة إلى خمس عشرة محافظة، لكل منها محافظ ورئيس بلدية ومجلس بلدي أو محلي وبميزانية مستقلة.

في الوقت الراهن، تستوجب ظروف الرياض وغيرها من المدن السعودية الكبرى خاصة، استشراف المستقبل بإدارة ورؤية جديدة تضمن لإدارة المدن وللقطاع البلدي على الأخص تخطي العقبات والمعوقات البيروقراطية، وتعزِّز من تبنِّي العمل المؤسسي وبما يكفل لها استمرار عجلة النمو من خلال طرح وتبني المبادرات الجريئة في التعامل مع قضايا التنمية الحرجة. كما تتطلب أيضًا ترتيب العلاقات الإدارية للقطاع البلدي على جميع المستويات سواء البينية أو مع الجهات الأخرى المؤثِّرة في عملية التخطيط والتنمية العمرانية في المدن تلافيًا لما ينطوي عليه تعدُّد الآراء واختلاف وجهات النظر بين هذه الجهات من صعوبة في التنسيق وإبطاء أو إعاقة لعجلة التنمية.

من المهم إعادة صياغة مفهوم إدارة المدن والعمل البلدي بما يضمن تبنِّي منهج الإدارة المحلية والحضرية للمدن، والمتمثل في تعزيز مبدأ اللا مركزية وتشجيع الاستقلالية المالية والإدارية وبما يضمن تعزيز إيراداتها دون اعتماد على وزارة المالية ولا على كاهل المواطن، وبما يضمن تحفيز البلديات التعامل مع قضايا التنمية بأسلوب الوقاية من الحرائق بدلاً من إطفائها، وإطلاق المبادرات بدلاً من ردود الأفعال، وتوجيه التنمية بدلاً من ملاحقتها. ويعدُّ تبنِّي برنامج للإدارة الحضرية للمدن والبلديات المفتاح الحقيقي لحلِّ كثير من المعضلات انطلاقًا من مبادئ اللامركزية وتفويض الصلاحيات. ويستوجب ذلك دراسة التجارب العالمية في إدارة المدن، بمشاركة بيوت الخبرة والدراسات والاستعانة بالكفاءات المتخصصة لنقل وتوطين التقنية والاستفادة من وسائل الإدارة الحديثة.

يوجد الكثير من الشواهد الإيجابية في بعض محاولات تطبيق «الإدارة المحلية» في أمانة منطقة الرياض. وهي وإن كانت مفرحة في نجاحاتها إلا أن الشواهد السلبية في عدم التطبيق وفي تدخل الإدارة المركزية أكثر وضوحًا وإيلاما» في إعاقة العمل وتكبيل انطلاقة البلديات بمبادراتها. والكثير من المبادرات الجميلة والإيجابية للأسف لم تر النور بسبب المركزية وعوائقها الإدارية التي حالت دون البدء في بعضها أو الاستمرار في بعضها الآخر. ومدينة كالرياض لم تعد تحتمل الأخذ على يدها بمركزية، ولم يعد مقبولاً معاملتها كمعاملة المدن المتوسطة والصغيرة؛ بل ومن الظلم تهميش شخصيتها الاعتبارية واستقلاليتها المالية والإدارية التي ما تزال دون تفعيل جدِّيّ لها. ويمكنني القول بأن كثيرًا من الشواهد الإيجابية للبرامج والمبادرات الناجحة في الرياض كانت بسبب الانعتاق من الروتين المركزي. لا يتسع الحيز لاستعراض المبادرات والبرامج والمشروعات الناجحة التي تبنتها الأمانة التي لم تكن لتنجح لو لم تغرد الأمانة خارج السرب المركزي ومحاولتها ممارسة شيء من الإدارة المحلية، ولو لم يكن هناك دعم من قيادة «سلمانية» تتفهم وتتبنى ضرورة نهج مبدأ الإدارة المحلية في العمل البلدي وفي إدارة المدن. كانت مثل تلك المبادرات ستنجح أكثر وستنتشر أوسع لو كان هناك دعم وعدم إعاقة مركزية، أو بعبارة أخرى، لو كان نهج الإدارة المحلية في القطاع البلدي هو السائد والمعمول به نظامًا وتشريعًا. وللأسف فإن البيئة الإدارية في داخل وخارج العمل البلدي لم تكن لتشجع أو لتحفز المبادرات الجديدة، وإن تم ذلك فعادة يتم بعد استنفاد وقت وجهد كبيرين وتقليص، وفي بعض الأحيان، تقزيم للتطلُّعات تدفع بالمُبادر للتفكير مرتين قبل طرح المبادرة أو القبول بخروجها ناقصة أو مشوهة..

سأعرض هنا بعضًا من «تغريدات» أمانة منطقة الرياض خارج سرب روتين القطاع البلدي، بدعم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان (أمير الرياض آنذاك). فمنها على سبيل المثال، ما قامت به الأمانة من رفع مشاركتها وتفعيل عملها مع شركة المعيقلية وبما يخدم المدينة وخدماتها. حيث سعت الأمانة إلى رفع رأسمال الشركة والدخول في هذه الزيادة ببعض الأراضي لتضاف كحصة عينية للأمانة في ملكية الشركة وترفع مشاركة الأمانة من 25 في المائة إلى 50 في المائة من ملكية الشركة، وتم لها ذلك في عام 1429هـ. وكنتيجة لذلك ارتفع إيراد الأمانة السنوي منها من مليون وأربعمائة ألف ريال فقط إلى نحو ثلاثة وخمسين مليون ريال سنويًا».

نموذج لأحد قصص النجاح التي تروى في الشراكة بين الأمانة والشركة هي مشروع حراج الرياض الجديد. فبعد أن كان دخل سوق الحراج القديم للأمانة لا يزيد عن ستة ملايين سنويًا كإيراد تتحمل الأمانة في مقابله الصرف بما قد يكون أكثر على الإدارة والموظفين والمراقبين والصيانة والتشغيل مع ما يعتري ذلك من تسيب وفي بعض الأحيان فساد إداري واستغلال للصلاحيات والنفوذ، وتذمر المواطنين من نوع ومستوى الخدمة المقدمة وكذلك الظروف السيِّئة التي يعمل فيها البسَّاطون والمحرجُّون. يضاف إلى ذلك الوضع المزري لحال السوق وبسطاته وافتقار المشروع لمواقف السيارات وغياب وضعف الرقابة البلدية والأمنية. وقد استطاعت الأمانة من خلال المبادرة تغيير الوضع إيجابيًا، فالإيرادات تضاعفت بما لا يقل عن أربع مرات والمؤمل أكثر في السنوات القادمة. وقد تخلَّصت الأمانة من جميع الأعباء الإدارية والصيانة والتشغيل واكتفت بالإشراف والتوجيه. وتم كذلك تقديم الخدمة بجودة أعلى وبمستويات عالمية ويكفي أن الشركة (وليست الأمانة) قامت بالصرف على بناء مشروع الحراج أكثر من مائتي مليون ريال وعلى مساحة أرض كبيرة (تملكها الشركة) بحدود خسمئة ألف متر مربع وبطراز عمرانيّ جذَّاب وبمواقف كافية للسيارات، وبرقابة إدارية وأمنية صارمة. وقد شعر جميع العاملين والمرتادين للحراج بارتفاع مستوى الخدمة إلى درجة عالية، إضافة إلى أن الأمانة استعادت أرض الحراج القديم للاستفادة منها في مشروعات أخرى.

ما تم كان بحمد الله، قصة نجاح تعد لأكثر في المستقبل، وكانت ستكون أكثر وأكبر وأجمل لو لم توضع القيود والمعوقات أمام المبادرة وتركت الأمانة تمضي بها كما خطَّطت لها. ومع كل المعوِّقات فإن الأمانة وبتوفيق الله ثم بالدعم اللا محدود من سمو أمير الرياض وسمو نائبه وعضده آنذاك، الأمير سطام بن عبدالعزيز -رحمه الله-، تمكنت من تبني الكثير من المبادرات التي يمكن الأخذ بها والتوسع فيها، وهي متعددة وتحتاج إلى حاضنة من العمل المؤسسي الذي يتبناها ويطورها ويرعاها ويحميها، ومن ثم يعمم تطبيقها خاصة في المدن الكبرى.

كانت شركة المعيقلية وما زالت، ومثلها شركة الرياض للتعمير من الأفكار التطويرية النابهة في المدينة. ويحسب لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمير الرياض آنذاك، تأسيس الشركتين ومتابعتهما واستمرار الدعم لهما كأذرع تطويرية وتنموية واستثمارية لمشروعات مدينة الرياض. هذه الفكرة سبقت الرياض بها غيرها من المدن السعودية بثلاثين عامًا على الأقل. وقد كنت وما زلت أرى في الشركتين فرصة كبيرة مشتركة بينهما وبين أمانة منطقة الرياض وما زلت أطمح لاستنساخ التجربتين بعد تعديلهما وتطويرهما وبما يضمن الشراكة الحقيقية لأمانة مدينة الرياض في الملكية وذلك بتأسيس شركات أخرى تعنى وتهتم كل منها بمجال من المجالات والأنشطة البلدية المتعددة. ولن تتمكن الأمانة من تبني هذا النهج والتحرر من القيود المالية والإدارية المركزية إلا من خلال تبنيها وتطويرها لنهج الإدارة المحلية، بقيادة ورئاسة أمير المنطقة، الذي سيمكِّنها من الانطلاق لشراكات ترفع من مستوى تقديمها لخدماتها وتعزِّز من حريتها في الانطلاق بمبادراتها التي ستغنيها عن كثير من الاعتمادات من وزارة المالية وتجنِّبها نقل أي أعباء مالية على عاتق المواطن سواءً بصيغة رسوم بلدية أو غيرها.

إحدى «تغريدات» أمانة منطقة الرياض الأخرى خارج سرب روتين القطاع البلدي تبنيها نهج التطوير الشامل للمخططات العمرانية للأحياء السكنية بديلاً للتطوير الفردي للمباني السكنية والأحياء السائد. فقد كان التطوير الافرادي وراء كثير من المشكلات العمرانية في مدننا وأحيائنا السكنية. ومما يقلق كثيرًا في التخطيط العمراني لمدننا تلك الخطوات والأساليب المتبعة في تنمية الأراضي وطرائق تحولها من أراضٍ خام إلى أحياء سكنية، بدءًا من انتقال الأرض من الملكية العامَّة للدولة وانتهاء ببناء المواطن أو المستثمر وحدات سكنية عليها. يجري اتباع خطوات ومراحل كثيرة تتخذ إجراءات إدارية معقدة ومتكررة، وتشارك أطراف عدَّة في هذه التنمية، وتتداول أيد كثيرة الأرض وعلى فترات طويلة ومتقطعة وتنتقل بين أيد كثيرة وهي ما زالت خامًا لم تخطط بعد.. ويتم كذلك تداولها بالمثل بعد التخطيط. ويستمر تعدد الأطراف كذلك في بناء الوحدات السكنية فرادى ومجموعات. وبالمثل يتم تقديم الخدمات والمرافق العامة بالتدرج البطيء والممل، وتتحول الأحياء السكنية إلى ورش عمل صاخبة، وتستمر في ذلك لفترات طويلة حتى إن بعضها تأخذ أكثر من ثلاثين عامًا لتكتمل فيها المباني السكنية والخدمات والمرافق، مع ما يعني ذلك من إزعاج وتلوث بيئي وبصري ينعدم فيه المفهوم الإنساني والبيئي العمراني المثالي للحي السكني.

استطاعت الأمانة إقناع إحدى شركات التطوير العقاري في الرياض التي بدورها أنجزت مشروعًا متميزًا ونموذجًا لقفزة نوعية في تطوير وبناء الأحياء السكنية. وكان من الممكن أن تعمل أكثر وأكثر لو وجَدت بيئة أكثر تشجيعًا وتفهمًا. ما تم كان بمنزلة الشراكة التي استفاد منها الطرفان التي أنتجت في النهاية مشروع حيّ سكنيّ نموذجيّ هو مخطط القصر الذي يقع في حي السويدي؛ وعلى مساحة تفوق الثمانمئة ألف متر مربع. وتقع أرض المخطَّط ضمن المرحلة الأولى للتنمية التي عادة لا تُلزِم المطوِّر بأية أعمال تطويرية أو تقديم خدمات عامة أيًا كانت، ولا حتى توفير السفلتة والإنارة والكهرباء، بل يكتفي المالك بتخصيص ما نسبته (33 في المائة ) من مساحة المشروع للخدمات والمرافق العامة، ويبدأ بالبيع حال اعتماد المخطط.

جرى في هذا المخطط للحيِّ السكني ولأول مرَّة، وبخلاف جميع المخطَّطات العمرانية اتفاق بين الأمانة والمطوِّر، تبنَّى فيه المطوِّر رغبة الأمانة في التوجه للتطوير الشامل والمتمثل في أن يقوم المطوِّر بتوفير كامل البنية التحتية، مع إيصال جميع شبكات المرافق إلى كل قطعة أرض، وتخصيص مساحات كافية من الأراضي لصالح الخدمات والمرافق الحكومية بمواصفات عالية جدًا. تم الحرص كذلك على أن يتوافر في المشروع حدائق عامة، وأرصفة مشاة بمساحات وأطوال كبيرة، إضافة إلى منطقة خدمات إدارية. وقد وفرت هذه المبادرة على الدولة التكلفة وعلى المالك الوقت كما وفرت على المواطن المعاناة في انتظار مراحل تنفيذ الخدمات التي قد لا يصل بعضها إلا بعد سنين، ويسَّرت للحي سرعة وصولها.

كان من الآثار المالية المباشرة للأمانة من هذا المشروع أنها نقلت تكاليف تقديم الخدمات والمرافق التي تقدر بمبلغ ما بين مائة وخمسين إلى مائتي مليون ريال من على كاهل القطاع العام المتمثل في أمانة منطقة الرياض وغيرها من القطاعات العامة إلى كاهل القطاع الخاص المستثمر وبرضاه واختياره. ومما ميز هذا المشروع أيضًا عن غيره من مخططات المشروعات الأخرى السائدة أنه وفر ما يزيد على 50 في المائة من مساحته كنسبة تخطيطية مقتطعة، بينما كان المطلوب نحو الثلث فقط، واستغلت الزيادة للاستفادة منها في زيادة المرافق والخدمات والمتنزهات.

هذه هي الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص وهذا هو التمويل غير المباشر للقطاع البلدي ويكو ن أجمل وأكثر تأثيرًا عندما يتم برضا وسعادة الطرف الآخر (القطاع الخاص). ويكون كذلك أبلغ وأكبر حين يكون للمنتج من الآثار الإيجابية الأخرى التي لا يمكن حسابها ماليًا كالبيئة العمرانية الناتجة عن تطوير شامل وما يصاحبها من مستوى سعادة ورضا من السكان. كذلك حين يدعم المنتَج ما تنادي به الأمانة من أفكار ويتحول إلى وسيلة إقناع لتبني أفكار مشابهة وغير ذلك من الإيجابيات الكثيرة والمتعددة لجميع الأطراف سواءً القطاع البلدي أو القطاع الخاص أو صناعة التطوير والبناء، إضافة إلى إيجابيات أخرى كثيرة ومتعددة للمدينة وسكانها، لا يتسع المجال لذكرها.

تتطلع الرياض إلى ابتكار وخلق حلول جديدة وأن يكون لديها مستقبلاً مخططات شامِلة مختلفة عن صورة المخططات التقليدية الحالية بحيث تحدَّد فيها أراضي المرافق والخدمات جميعها وليس فقط المساجد والحدائق والمدارس كما هو جارٍ حاليًا، وإنما أيضًا قصور الأفراح ومحطات الوقود، والمدارس والمستوصفات. وبحيث يصبح اعتماد المخطط ليس فقط تصريحًا له لوحده بل بمنزلة تصريح أيضًا لتلك الخدمات ولا يحتاج استخراج فسح لكلّ منها ولا مراجعات متكررة للأمانة.

أعلم أن كسر الروتين والثقافة السائدة من التطوير الافرادي والتوجه بها نحو التطوير الشامل ما زال أمرًا ليس سهلاً. فالأمانة بوضعها الحالي لا تملك تغيير الضوابط والاشتراطات وإن استطاعت فلا تملك الإلزام بها. والساحة لا يوجد بها مطورون عقاريون كثر بل الأكثر رجال أعمال يعملون في العقار بيعًا وشراءً وتجزئة. وثقافة التطوير العقاري وأدواتها ليست موجودة وإن وجدت فهي في بداياتها وغير مكتملة. وتفتقر الساحة إلى تنظيمات إدارية وبلدية تشجِّع وتحفِّز إلى ذلك، كما تحتاج إلى شركات تطوير متخصِّصة ومقتنعة وذات خبرات بالتطوير الشامل. وباختصار يمكننا القول بأننا بحاجة إلى بناء وتأسيس بيئة متكاملة ومشجِّعة يتعاظم فيها دور القطاع الخاص للتطوير الشامل ويتناقص فيها التطوير الافرادي. وشتان بين البيئتين من جميع الجوانب، فلا مقارنة مطلقًا سواء في الأسلوب أو المنتج النهائي.

تضمنت جعبة الأمانة عديدًا من المشروعات والبرامج والمبادرات رغم الصعاب والمعوقات التي برغمها كانت قصص النجاح بحمد الله كثيرة وكان يمكن أن تكون أكثر وأفضل وأجمل مثل برنامج الأنسنة بعناصره المختلفة التي تشمل واحات الملك سلمان للعلوم، تأسيس وإنشاء الإدارة النسائية، الساحات البلدية، ممرات المشاة، برامج احتفالات العيد، والعناية العمرانية بمتطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة. كما تضمنت مشروع إعادة أحياء وادي السلي إصدار الرخص الفوري للمباني، وبدء التوجه للا مركزية في البلديات الفرعية وإدارات الرخص، وإطلاق مؤشر الأسعار، وتأسيس مركز طوارئ الأمانة 940، وإنشاء المراكز الإدارية وما تبعه من تعديل حدود البلديات الفرعية، وتضمنت أيضًا تقسيم عقود النظافة على مستوى البلديات الفرعية بدلاً من شركة وحيدة. وكذلك المبادرة إلى المساهمة في إنشاء جامعة الأمير سلطان كأول جامعة أهلية في المملكة. وهي جامعة لم تقيمها وزارة التعليم ولا وزارة البلديات ولا القطاع الخاص، بل أسسها ورعاها رائد الإدارة المحلية سلمان بن عبدالعزيز.

لم تكن هذه المشروعات والبرامج، وغيرها الكثير الذي لا يتسع المجال لذكره، يومًا ضمن برامج أو ميزانيات البلديات، ولم يؤثِّر إنجازها بأيِّ شكل على الوفاء بالمهام التقليدية للبلديات. ولم تكن تلك المشروعات والبرامج لترى النور، ولم يكن بمقدور الأمانة القيام بها لو لم تستظل بمظلة «الإدارة المحلية» بقيادة أمير المنطقة آنذاك وبرعايته وتوجيهه. ويمكن الاستخلاص بإيجاز بإنَّ من نتائج ما قامت به الأمانة أنها استطاعت تحقيق عديد من الأهداف من ضمنها رفع مستوى ونوعية تقديم بعض الخدمات، ورفع مستوى الرضا العام لدى السكان في تلك البرامج والمشروعات عن طريق رفع مستوى التجاوب لمتطلبات ورغبات السكان. كما أدى نقل تقديم الخدمة لطرف آخر إلى تفرُّغ الأمانة للمتابعة والإشراف وتقليل المصروفات وتعظيم الإيرادات المباشرة وغير المباشرة إضافة إلى تقليل إعداد الموظفين في القطاع العام وزيادة أعدادهم في القطاع الخاص، وتنمية القطاع الخاص شريكًا فاعلاً للبلديات.

ما زلنا نحتاج الكثير من الدِّراسة والبحث والتطوير في جانب الإدارة المحلية. ولم يكن حماسي في عام 1425هـ وأثناء عملي أمينًا لمنطقة الرياض في تأسيس مركز الملك سلمان للإدارة المحلية وربطه بجامعة الأمير سلطان إلا استشعارًا لأهمية الموضوع ومعرفة بمستقبله الواعد وحاجتنا الماسة لتبنِّيه والبحث في تطبيقاته. وكان اختيار اسم المركز تكريمًا وتخليدًا لذكر ونهج وفكر رائد الإدارة المحلية سلمان بن عبدالعزيز. ومن أهداف المركز أن يعين ويرسم الطريق للتوجه إلى بناء مؤسَّسي للإدارة المحلية باستلهام تجربة ومدرسة سلمان بن عبدالعزيز في الإدارة.

نعم.. لم تعد الإدارة المحلية خيارًا بل ضرورة مُلحَّة جِدًا. وقد حان الوقت للتوجُّه إلى اللا مركزية وتبنِّي القرار المحلِّي لا المركزي، والتأسيس لمفهوم ونهج الإدارة المحلية بقيادة أمير المنطقة. ويكون مجلس المنطقة منصة للانطلاق، بمشاركة أعضاء من المسؤولين في الإدارات الحكومية في المدينة وعدد من الأهالي المنتخبين من أصحاب الفكر والخبرة وكذلك المال والأعمال. ولعل الحيز يتسع للتوسع في موضوع الإدارة المحلية في الكتاب الذي أعمل على إخراجه إلى النور في القريب بإذن الله.

الأعلى