باحث مشارك

تُعد المدن هي المحركات الرئيسية لعملية النمو الاقتصادي، حيث بلغت حصة المدن من إجمالي الناتج العالمي 70% تقريباً. ومع دخول العالم لعصر العولمة، العصر الذي تتنافس فيه المدن على أسس اقتصادية وإستراتيجية، انتبهت الدول للدور الكبير الذي تشكله الاقتصادات الحضرية المتنوعة لضمان وجود خطة تنمية اقتصادية مستدامة. فالمدن لم تعد بيئة اجتماعية هامة لقاطنيها فحسب، بل أصبحت تشكّل دوراً كبيراً في خطة التنمية الأكبر التي تهدف في نهاية المطاف لتحقيق الرخاء الاقتصادي، بالإضافة إلى مساهمتها الكبيرة في الناتج المحلي الإجمالي القومي.

ومع إدراك البلاد للدور الاقتصادي الهام الذي تشكّله المدن، قامت العديد من الحكومات المحلية والإقليمية حول العالم بوضع خطط تهدف لتحويل المدن إلى مراكز حضرية لها طاقة إنتاجية وتنافسية أكبر، عبر تقديم بيئة ملائمة للعملاء، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف لجذب استثمارات ضخمة وتنشيط حركة الأعمال.

وبالتالي، قامت مجموعة كبيرة من المدن بتسخير طاقاتها التنموية كي تصبح أسواقاً اقتصادية عالمية. هناك أمثلة كثيرة نجحت في تحقيق ذلك بالفعل مثل طوكيو، ونيويورك، وأوساكا كايوتي كوبي، ولوس أنجلوس، وناجويا، وشيكاغو، ولندن، و أنتويرب، وبون، وواشنطن. فقد أصبحت هذه المدن وحدها مسؤولة عن 20% من النشاط الاقتصادي العالمي، على الرغم من أن مجموع قاطنيها من السكان يبلغ 2.6% فقط من مجموع سكان الكرة الأرضية.

ومع بروز هذا التوجه في عالم الاقتصاد، قامت العديد من البلدان التي كانت تعتمد على مواردها الطبيعية بشكل رئيسي، بإعادة تعريف سياستها الاقتصادية المتّبعة، كي تضمن قدراً كبيراً من التنّوع في خططها الاقتصادية. وبالطبع سارعت السعودية من أجل اللحاق بهذا الركب، وطرحت رؤيتها الاقتصادية الطموحة “رؤية 2030″، التي تهدف إلى تحقيق تنويع شاكل في مواردها الاقتصادية على المدى المتوسط إلى الطويل، بدلاً من الاعتماد على النفط بشكل رئيسي.

تعتمد خطة “رؤية 2030” على عدة محاور رئيسية، تهدف بالأساس إلى زيادة الاستثمارات المحلية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية بحلول عام 2030. ترتكز الخطة على بعض المحاور أهمها:
•    زيادة إسهامات المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى 35% من إجمالي الناتج المحلي، بدلاً من 20% في الوقت الحالي
•    زيادة إسهام القطاع الخاص ليصل إلى 65% من إجمالي الناتج المحلي، بدلاً من 40% في الوقت الحالي
•    زيادة إسهام الاستثمار الأجنبي المباشر من 3.8% من إجمالي الناتج المحلي حالياً، ليصل إلى متوسط المعدّل العالمي الحالي عند 5.7%
•    احتلال المملكة العربية السعودية لمركز من ضمن 10 مراكز الأولى في مؤشر التنافسية العالمي في المؤتمر الاقتصادي العالمي، بدلاً من مركزها الحالي وهو 25
•    دخول 3 مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة عالمية بحلول نهاية العقد القادم

لكن ما هي الركائز الاقتصادية التي يمكن استخدامها لدعم هذه المرحلة الجديدة في الاقتصاد السعودي؟

في الواقع تتشابه المملكة العربية السعودية كثيراً مع باقي البلدان المشتركة في منظمة أوبك، حيث اعتمدت في تطوير بنيتها التحتية على الاقتصاد النفطي الذي ازدهر بقوة خلال العقود القليلة الماضية. وبالطبع أدى ذلك إلى تطوير ونمو كبيرين لمراكزها الحضرية الرئيسية. وقد أدت هذه الظاهرة إلى زيادة نسبة السكان في المناطق الحضرية بمقدار 4 أضعاف منذ عام 1950. حيث زادت نسبة السكان في المناطق الحضرية لتصل إلى 83.1% اليوم، مقارنة بنسبة 21.3% فقط عام 1950. الأمر الذي يجعل المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر الاقتصادات المتحولة للتمدّن، بتجمعات سكانية حضرية تتجاوز 80% من أصل مجموع سكانها.

كما أن هناك بعض المدن الكبيرة مثل الرياض، وجدة، والدمام ومكة المكرمة، تضم كثافة سكانية كبيرة مستدامة (سواء من المواطنين أو العمالة الوافدة). وتشارك هذه البلدان بنسبة كبيرة من إجمالي الناتج المحلي للمملكة العربية السعودية، كما تُعد أسواقاً كبيرة للسلع والخدمات. ووفقاً للتقرير الذي أصدره اقتصاديو جامعة أكسفورد “المدن العالمية 2030″، والذي يتوقع الاتجاهات الاقتصادية العالمية والفرص السوقية في 750 مدينة الأكبر عالمياً، حلّت الرياض وجدة في المراكز 19 و 47 بالترتيب، من بين أكبر 50 مدينة متوقع لها أن تشهد الزيادة الأكبر في الكثافة السكانية وإجمالي الناتج المحلي على حد سواء.

وكما ترون، تشير البيانات أعلاه لزيادة مطّردة لدور المراكز الحضرية في العصر الاقتصادي الجديد للمملكة العربية السعودية – ومن هنا أصبحت الحاجة ماسة لتسخير جميع طاقات المملكة الاقتصادية لتهيئة مناخ استثماري يدعم نمو ونجاح الأعمال والاستثمارات الجديدة.

ووفقاً لدراسة أجراها البنك الدولي بعنوان ” المدن التنافسية: توفير حلول محلية لمشكلة النمو والوظائف المتاحة”، تبّنت المدن التنافسية 3 مصادر رئيسية للنمو وهي إنشاء شركات جديدة، والتوسع في الشركات الحالية، وزيادة جذب المستثمرين. ولذا، وفي سياق رغبة المملكة العربية السعودية في تحقيق التنوع الاقتصادي الشامل الذي ترنو إليه، فأن المدن السعودية تحتاج إلى ابتكارات  -جنباً إلى جنب- مع لوائح جديدة وتشريعات، وبنية تحتية مميزة بالإضافة إلى دعم كبير للشركات حتى تتمكن من خلق مناخ استثماري مميز لملائمة الاحتياجات المتنوعة للشركات.
ومن الجدير بالذكر أن تحقيق طفرة تنوع اقتصادية عبر الاعتماد على المجتمعات الحضرية ليست ظاهرة جديدة. فقد شهد العالم عدداً من هذه الأمثلة في الماضي.

فعلي سبيل المثال، كانت ولاية أوكلاهاما الأمريكية تعتمد على صناعة النفط والغاز لتحقيق أكثر من ربع عوائدها. أما اليوم، فقد انخفضت هذه النسبة للنصف تقريباً نتيجة للجهود المبذولة لتنويع الركائز الاقتصادية. جهود تنوعت ما بين توفير برامج لتطوير الأعمال، ورعاية الابتكار والتطوير في مجالات الصناعات الهندسية. والآن، توفر المدينة عدداً جيداً من الوظائف للمهندسين، مما جعلها تحل في المركز الثالث في دراسة “الجغرافية الجديدة” في قائمة “أفضل المدن الحاضنة للمهندسين”.

ومدينة سانتياجو عاصمة شيلي، وهي تُعد واحدة من أسرع المدن نمواً في أمريكا اللاتينية. نجحت هذه المدينة في البروز وسط مجموعة من المدن الأكثر تنافسية في المنطقة. حيث قدّمت المدينة خطة ابتكار إقليمية في 2012، نجحت من خلالها في جذب عدد هائل من الاستثمارات لتحفيز الابتكار عبر القطاعات الاقتصادية المختلفة، وعبر تطوير قطاع البحث والتنمية.

هناك أيضاً مدينة كوريتيبا البرازيلية، التي بذلت جهوداً مماثلة لتطوير قدراتها المحلية، ونجحت في توفير بيئة حضرية مميزة عبر تقديم حلول ابتكارية في مجال النقل العام، وإدارة نمو المجتمعات الحضرية، والحفاظ على البيئة. وفي عام 2010، نجحت مدينة كوريتيبا في أن تحل عاشرة في مؤشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. أما في مجالات البحث والابتكار، فقد قامت مجموعة من الجامعات بالاشتراك مع الشركات الدولية لتقديم حلول تكنولوجية هامة ساعدت في تحقيق المدينة لنسبة قدرها 1.43% من إجمالي الناتج المحلي للبرازيل في عام 2010.

وكما ترون من الأمثلة المذكورة أعلاه، هناك إمكانية كبيرة لتحقيق الأهداف الاقتصادية عبر الاستناد على القطاعات الحضرية. هذه الإستراتيجية تحسّن من التنوع الكلي للبلد عبر زيادة أنواع المخرجات الاقتصادية والابتكارات التي تتم في المجتمعات الحضرية.

أما في المملكة العربية السعودية، فأن تحقيق التنافسية الصحية يتطلب تضافر المجهودات على المستويات المحلية والإقليمية. على المستوى الإقليمي، يمكن أن تدعم إستراتيجيات التطوير والنمو ضخ استثمارات جديدة عبر المنطقة. وفي السياق ذاته، يجب أن تّجرى دراسات شاملة لتغطية كافة مناحي الاقتصاد المحلي، واحتياجات البنية التحتية في المناطق الحضرية.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يتم وضع سياسات جديدة لتحفيز الصناعات الحديثة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة على المستوى المحلي، عبر استهداف برامج المساعدة المتعلقة بالتسويق والاستثمار والإجراءات المحلية وأسواق العمل وإعادة تعريف الأدوار المؤسسية وخدمات التوظيف للتوسع وتنويع أسواق العمل.

ينظر العالم اليوم إلى المدن ليس بكونها مكاناً يعيش فيه السكّان فحسب، بل يثمّن الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه المدن في الاقتصاد العالمي كمحرك رئيسي لمعدلات النمو عبر تحقيق معايير اقتصادية مرتفعة، وتسهيل نمو الأعمال، ودعم الابتكار، وتقديم بنية تحتية مميزة.

وقد قامت المملكة العربية السعودية مؤخراً ببدء طريقها لتحقيق التنوع الاقتصادي المنشود. وكما حدث في الاقتصادات الأخرى، فأن تحول المدن السعودية لمحركات اقتصادية قوية ومنتجة سوف يكون عاملاً هاماً في العهد الاقتصادي الجديد للمملكة.

نظام حافلات سريعة.. هو ما تحتاجه المدن السعودية
بقلم: حسان الأهدل

شهدت المملكة العربية السعودية، في السنوات الماضية، حركة نزوح واسعة من المناطق الريفية الى المناطق الحضرية. اذ دفعت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية بعدد كبير من الناس الى الانتقال الى المدن رغبة منهم بتحسين المستوى المعيشي وايجاد فرص عمل وتعليم لائقة. فارتفعت نسبة سكان المدن بشكل ملحوظ من 20% من مجمل سكان المملكة في عام 1950 الى أكثر من 80% حالياً. ويتوقع أن تتخطى هذه النسبة ال90% مع حلول عام 2050. وأدت هذه العوامل أيضاً الى ارتفاع كبير في عدد المركبات والى أزمات مرور خانقة في المدن وبالتالي الى حاجة متزايدة لتأسيس نظام نقل عام.

فتقرر في عام 2014، انشاء أول مترو في المملكة في مدينة الرياض، بتكلفة تقدر ب 22 مليار دولار وبطول إجمالي يساوي 176 كيلومتر من السكك الحديدية الخفيفة. الا انه وبعد مرور أكثر من عامين على بدء أعمال البناء، ما زالت هذه الأخيرة تشل معظم شوارع الرياض الرئيسية. ويستمر هذا الوضع في السنوات الثلاث القادمة لحين الانتهاء من أعمال البناء. وقد بدأ التخطيط أيضاً لانشاء محطات مترو في مدن المملكة الأخرى، كجدة على سبيل المثال.

في الواقع، لم تر مدن السعودية حتى الان نظام نقل عام فعال، فالسيارات الخاصة هي الوسيلة الرئيسية للتنقل في المملكة، اذ انها تتيح عوامل لا يمكن أن يتخلى عنها المجتمع السعودي بسهولة وهي الخصوصية وحرية التنقل بشكل مستقل. وباعتبار المجتمع السعودي من المجتمعات المحافظة، من المتوقع أن يحتاج الأفراد لبعض من الجهد والوقت لاعتماد نظام النقل الجديد والتكيف معه. لذلك فمن الضروري أن تأخذ السلطات بعين الاعتبار أي نتائج مستقبلية قد تنجم عن هكذا مشروع والا تتجاهل عوامل مؤثرة كالتغيرات السكانية والرأي العام.

في هذا السياق، نقترح نظام نقل بديل وفعال يلائم المدن السعودية أكثر من المترو وهو ال(BRT) أو حافلات النقل السريع، اذ انه أقل كلفة من المترو ولا يحتاج انشاؤه لمدة طويلة. بالاضافة الى ذلك، فانه يتناسب مع رؤية المملكة لعام 2030 بما انه يوفر سرعة وقدرة استيعابية مماثلة لتلك التي تقدمها السكك الحديدية. كما ان لحافلات النقل السريع خطوط محددة ومحطات خاصة ونظام تذاكر يسهل الصعود والخروج من الحافلة. أما في ما يخص التكلفة، فيمكن انشاء ما يفوق الاثني عشر محطة لحافلات النقل السريع بتكلفة مترو الرياض الواحد.

ويعتبر طلب الجمهور على هذا النوع من الرحلات من العوامل الهامة في دراسة نظام النقل العام في المملكة. فمثلما ذكرنا سابقاً، يحتاج المجتمع السعودي لوقت أكثر من غيره للتكيف مع هكذا تغيرات. لذا فيجب الـتأني عند اتخاذ قرارت تتعلق بمشاريع ذات طابع تغييري للنمط المعيشي السعودي. وهنا يتفوق نظام حافلات النقل السريع أيضاً على غيره من الوسائل، فبكلفته المتدنية يمكن له أن  يتحمل أي مدة قد يحتاجها السعوديون للتأقلم مع التغيرات ويمكن أن يأتي بايرادات عالية أيضاً. بعكس المترو الذي قد يسبب خسائر ضخمة في حال لم يتقبله المجتمع السعودي بسبب حاجته لرأس مال كبير.

وهناك خيار السكك الحديدية الخفيفةLRT  الذي يقترحه الخبير في مشاريع النقل السريع، ادموند كاسيدي، باعتباره أقل كلفة من المترو. الا انه ومع ذلك، تبقى تكلفة بناء حافلات النقل السريع أدنى بل لا تتعدى نصف تكلفة نظام السكك الحديدية الخفيفة. وتبقى مدة انشائه أقصر من أي نظام اخر، فيوفر بالتالي المال ويقي من الازدحام المروري.

في عام 2009، سجلت كلفة النقل السريع بالحافلات معدل 17.5 مليون دولار لكل ميل، في المقابل كانت كلفة مترو دبي في السنة نفسها 147 مليون دولار لكل ميل. حالياً، يتوقع أن ينتهي بناء مترو الرياض بكلفة اجمالية تساوي 201 مليون دولار لكل ميل، واذا ما قارنها بكلفة النقل السريع بالحافلات، نلاحظ أن هذه الأخيرة أوفر باثني عشر مرة من كلفة مترو الرياض.

مع انخفاض أسعار النفط العالمية وتأثيره على الاقتصاد السعودي، ازدادت الحاجة الى رؤية سعودية جديدة للمستقبل القريب، فتم إقرار رؤية 2030 الرامية الى مواجهة التغيرات عبر مجتمع نابض بالحياة، واقتصاد مزدهر وأمة طموحة. ويعتبر هدف  الرؤية الأهم، تمكين المملكة من السيطرة على قرارتها الاقتصادية والمالية.

“قوام”، هو أحد برامج الرؤية الأساسية الذي يهدف إلى زيادة كفاءة الإنفاق والاستخدام الفعال للموارد والحد من الهدر. وهنا، يكون اعتماد نظام النقل السريع بالحافلات متماشياً مع مبادرة “قوام” عبر المبالغ الهائلة التي سيوفرها على المملكة وبالتالي فسيكون مثالاً للمشاريع التي تتحدث عنها “رؤية 2030”.

مع أنه واحد من أنظمة النقل الأكثر كفاءة، لنظام حافلات النقل السريع بعض السلبيات أيضاً كتكاليف التشغيل والصيانة المرتفعة على المدى الطويل، مقارنة بالمترو، وصعوبة تعيين ممرات للحافلات في بعض المدن السعودية. الا انه اذا قمنا بمقارنة سلبيات هذا النظام بالايجابيات التي يقدمها، خاصة مع الركود الاقتصادي وانخفاض اسعار النفط العالمية، نجد أن فائدته أعلى في معظم المدن السعودية، وانه من الضروري تقييم ادائه وفعاليته، قبل الشروع بانشاء المزيد من محطات المترو.

فبكلفته المنخفضة، وسرعته وسهولة جذبه للمجتمع السعودي وانسجامه مع “رؤية 2030″، قد يكون نظام حافلات النقل السريع النظام الأفضل للمدن السعودية.
هل ينجح النهج السويدي في تأمين الطرق إذا تم تطبيقه في السعودية؟
بقلم دلال السويد

تُظهر الأبحاث أن التحرك والنقل هما من العوامل التي لا يمكن الاستغناء عنها في عملية التنمية الاقتصادية. مع ذلك، فإن إلى جانب الإيجابيات والفوائد الناتجة عن التحرك والنقل، توجد أيضًا بعض السلبيات، بما فيها الازدحام، وحوادث الطرق، والوفيات الناتجة عنها. تبذل المملكة العربية السعودية جهودًا لاستخدام موقعها الاستراتيجي لجذب الشركات إليها من خلال البدء بإنشاء المناطق المالية والمدن الصناعية، ولذلك من المهم مناقشة نظام النقل في المملكة والمعدل العالي لوفيات حوادث الطرق. فلا يمكن إيقاف الارتفاع في معدل وفيات حوادث الطرق دون التخطيط الصحيح لإخفاض المعدل.

إن معدل وفيات حوادث الطرق في السعودية هو من أعلى المعدلات في العالم. فيتوفى ما يعادل 17 مواطن سعودي يوميًا نتيجة حوادث الطرق، الأمر الذي يكلف المملكة ما بين 85 و90 مليار ريال سنويًا. مع ذلك، لم تُبذل جهود كافية لمعالجة هذه المشكلة. نشرت جريدة الجزيرة مقالًا استشهدت فيه بإحصائيات وفيات حوادث الطرق المروعة واحتفت بقانون منع “التفحيط” الجديد على أنه حل، لكن منع هذهِ الظاهرة قانونيًا لن يحل المشكلة بالكامل.

يجب التخطيط لحل أكثر تكاملًا وتنفيذه، وتوجد عدة خيارات يمكن تطبيقها في المملكة العربية السعودية. أكثر هذه الخيارات وعدًا هي “رؤية صفر” Vision Zero. رؤية صفر هي مبادرة تم تطبيقها لأول مرة من قبل الحكومة السويدية أملًا في الوصول بمعدلات وفيات حوادث الطرق إلى صفر. الفكرة وراء الرؤية هي أن حوادث الطرق لا بد من حدوثها، ولكن الهدف المطلق من الرؤية هو تفادي أية حوادث طرق تؤدي إلى الوفاة أو الإصابات الدائمة وأساس الرؤية هو الرفض التام لأي خسارة في الأرواح.

يمكن تطبيق الرؤية في أي بلد، وقد تم بالفعل تطبيقها في بعض الدول بما فيها كندا، وهولندا، وأستراليا، والمملكة المتحدة. إضافةً إلى ذلك، فقد تبنت عدة مدن أمريكية كبرى هذه الرؤية بما فيها سان فرانسيسكو، وبوسطن، ونيويورك. كما تم تبني الرؤية أيضًا في المدن حيث يستخدم معظم السكان السيارات كطريقة النقل الأساسية مثل لوس آنجلس.

طبقت السويد الرؤية صفر لأول مرة في عام 1998. بحلول عام 2007، انخفض معدل وفيات حوادث الطرق في السويد بنسبة 30 بالمئة، وانخفض المعدل الإجمالي للإصابات الخطيرة والوفيات بنسبة 50 بالمئة. تعتبر الرؤية صفر مبادرة ناجحة في السويد، فقد أخفضت معدل الوفيات والإصابات الخطيرة الناتجة عن حوادث الطرق بالرغم من ارتفاع نسبة القيادة بين السكان. كما طبقت بعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية مبادرة الرؤية صفر، وقد انخفض معدل وفيات حوادث الطرق فيها أيضًا. فقد شهدت ولاية يوتا انخفاضًا بنسبة 48 بالمئة، وولاية مينيسوتا بنسبة 43 بالمئة، وولاية واشنطن بنسبة 40 بالمئة.

تتألف مبادرة الرؤية صفر من أربعة عناصر: الأخلاقيات، والمسؤولية، وفلسفة مبنية على السلامة، ورسم آليات للتغيير. الفكرة الأساسية من الرؤية هي أن مسؤولية التقليل من حوادث الطرق ليست مسؤولية السائقين وحدهم، بل هي مسؤولية يتشارك فيها السائقون ومهندسو المرور ومصممو الطرق. أثناء تصميم البرنامج، ظل في الحسبان كون السائقين بشرًا غير معصومين من الخطأ. ومع أن سن قوانين للحد من ظاهرة “التفحيط” في السعودية قد يمنع السلوك المتهور، إلا أن البرامج الأكثر تكاملًا مثل الرؤية صفر ضرورية أيضًا للتقليل من مخاطر الوفاة في حوادث الطرق.

وبما أن الفكرة الأساسية وراء الرؤية يمكن تطبيقها في أي بلد، فيجب على هيئة المرور في كل من مدن المملكة السعودية تطبيق نهجًا شبيهًا لمعالجة المشكلة بطريقة تأخذ في الاعتبار التحديات والفرص المرورية التي تختلف بين منطقة والأخرى في المملكة. في بداية التخطيط، يجب عرض الخطط ومراجعتها في اجتماعات مجالس المناطق، إذ أن لمجالس المناطق دورًا مهمًا جدًا في الربط بين مختلف الفروع الوزارية المحلية والهيئات الأخرى التي تعمل ضمن نطاق وزارة الداخلية مثل هيئة المرور.

لتطبيق الرؤية، يمكن البدء بطرح بعض الأسئلة الأساسية التي ستساعد في تصميم سياسة يمكن تطبيقها بنجاح في المدن السعودية. قبل تطبيق الرؤية صفر في السويد، قامت لجنة المرور السويدية بطرح بعض الأسئلة التي تساعدهم في فهم أهم المشاكل التي يجب حلها، وتحديد الأهداف على المدى الطويل، وتخيّل طريقة لتحقيق هذه الأهداف للوصول إلى نظام مرور آمن. الإجابات لهذه الأسئلة هي التي بنت أساس الرؤية صفر. إذا قامت كل مدينة أو منطقة سعودية بتطوير خطة خاصة بها من نفس النموذج التكاملي للرؤية، فسنتمكن من البدء بأخذ خطوات حقيقية تجاه تخفيض معدل وفيات حوادث الطرق في المملكة السعودية وليس فقط سن القوانين التي تحد من التهور الفردي.

المزيد من المنشورات بقلم بلال صغير
الأعلى