باحثة مشاركة

تُظهر الأبحاث أن التحرك والنقل هما من العوامل التي لا يمكن الاستغناء عنها في عملية التنمية الاقتصادية. مع ذلك، فإن إلى جانب الإيجابيات والفوائد الناتجة عن التحرك والنقل، توجد أيضًا بعض السلبيات، بما فيها الازدحام، وحوادث الطرق، والوفيات الناتجة عنها. تبذل المملكة العربية السعودية جهودًا لاستخدام موقعها الاستراتيجي لجذب الشركات إليها من خلال البدء بإنشاء المناطق المالية والمدن الصناعية، ولذلك من المهم مناقشة نظام النقل في المملكة والمعدل العالي لوفيات حوادث الطرق. فلا يمكن إيقاف الارتفاع في معدل وفيات حوادث الطرق دون التخطيط الصحيح لإخفاض المعدل.

إن معدل وفيات حوادث الطرق في السعودية هو من أعلى المعدلات في العالم. فيتوفى ما يعادل 17 مواطن سعودي يوميًا نتيجة حوادث الطرق، الأمر الذي يكلف المملكة ما بين 85 و90 مليار ريال سنويًا. مع ذلك، لم تُبذل جهود كافية لمعالجة هذه المشكلة. نشرت جريدة الجزيرة مقالًا استشهدت فيه بإحصائيات وفيات حوادث الطرق المروعة واحتفت بقانون منع “التفحيط” الجديد على أنه حل، لكن منع هذهِ الظاهرة قانونيًا لن يحل المشكلة بالكامل.

يجب التخطيط لحل أكثر تكاملًا وتنفيذه، وتوجد عدة خيارات يمكن تطبيقها في المملكة العربية السعودية. أكثر هذه الخيارات وعدًا هي “رؤية صفر” Vision Zero. رؤية صفر هي مبادرة تم تطبيقها لأول مرة من قبل الحكومة السويدية أملًا في الوصول بمعدلات وفيات حوادث الطرق إلى صفر. الفكرة وراء الرؤية هي أن حوادث الطرق لا بد من حدوثها، ولكن الهدف المطلق من الرؤية هو تفادي أية حوادث طرق تؤدي إلى الوفاة أو الإصابات الدائمة وأساس الرؤية هو الرفض التام لأي خسارة في الأرواح.

يمكن تطبيق الرؤية في أي بلد، وقد تم بالفعل تطبيقها في بعض الدول بما فيها كندا، وهولندا، وأستراليا، والمملكة المتحدة. إضافةً إلى ذلك، فقد تبنت عدة مدن أمريكية كبرى هذه الرؤية بما فيها سان فرانسيسكو، وبوسطن، ونيويورك. كما تم تبني الرؤية أيضًا في المدن حيث يستخدم معظم السكان السيارات كطريقة النقل الأساسية مثل لوس آنجلس.

طبقت السويد الرؤية صفر لأول مرة في عام 1998. بحلول عام 2007، انخفض معدل وفيات حوادث الطرق في السويد بنسبة 30 بالمئة، وانخفض المعدل الإجمالي للإصابات الخطيرة والوفيات بنسبة 50 بالمئة. تعتبر الرؤية صفر مبادرة ناجحة في السويد، فقد أخفضت معدل الوفيات والإصابات الخطيرة الناتجة عن حوادث الطرق بالرغم من ارتفاع نسبة القيادة بين السكان. كما طبقت بعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية مبادرة الرؤية صفر، وقد انخفض معدل وفيات حوادث الطرق فيها أيضًا. فقد شهدت ولاية يوتا انخفاضًا بنسبة 48 بالمئة، وولاية مينيسوتا بنسبة 43 بالمئة، وولاية واشنطن بنسبة 40 بالمئة.

تتألف مبادرة الرؤية صفر من أربعة عناصر: الأخلاقيات، والمسؤولية، وفلسفة مبنية على السلامة، ورسم آليات للتغيير. الفكرة الأساسية من الرؤية هي أن مسؤولية التقليل من حوادث الطرق ليست مسؤولية السائقين وحدهم، بل هي مسؤولية يتشارك فيها السائقون ومهندسو المرور ومصممو الطرق. أثناء تصميم البرنامج، ظل في الحسبان كون السائقين بشرًا غير معصومين من الخطأ. ومع أن سن قوانين للحد من ظاهرة “التفحيط” في السعودية قد يمنع السلوك المتهور، إلا أن البرامج الأكثر تكاملًا مثل الرؤية صفر ضرورية أيضًا للتقليل من مخاطر الوفاة في حوادث الطرق.

وبما أن الفكرة الأساسية وراء الرؤية يمكن تطبيقها في أي بلد، فيجب على هيئة المرور في كل من مدن المملكة السعودية تطبيق نهجًا شبيهًا لمعالجة المشكلة بطريقة تأخذ في الاعتبار التحديات والفرص المرورية التي تختلف بين منطقة والأخرى في المملكة. في بداية التخطيط، يجب عرض الخطط ومراجعتها في اجتماعات مجالس المناطق، إذ أن لمجالس المناطق دورًا مهمًا جدًا في الربط بين مختلف الفروع الوزارية المحلية والهيئات الأخرى التي تعمل ضمن نطاق وزارة الداخلية مثل هيئة المرور.

لتطبيق الرؤية، يمكن البدء بطرح بعض الأسئلة الأساسية التي ستساعد في تصميم سياسة يمكن تطبيقها بنجاح في المدن السعودية. قبل تطبيق الرؤية صفر في السويد، قامت لجنة المرور السويدية بطرح بعض الأسئلة التي تساعدهم في فهم أهم المشاكل التي يجب حلها، وتحديد الأهداف على المدى الطويل، وتخيّل طريقة لتحقيق هذه الأهداف للوصول إلى نظام مرور آمن. الإجابات لهذه الأسئلة هي التي بنت أساس الرؤية صفر. إذا قامت كل مدينة أو منطقة سعودية بتطوير خطة خاصة بها من نفس النموذج التكاملي للرؤية، فسنتمكن من البدء بأخذ خطوات حقيقية تجاه تخفيض معدل وفيات حوادث الطرق في المملكة السعودية وليس فقط سن القوانين التي تحد من التهور الفردي.

المزيد من المنشورات بقلم دلال السويد
الأعلى